عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

299

اللباب في علوم الكتاب

قطيعة رحم ، أو يستعجل ، قالوا : وما الاستعجال ، يا رسول اللّه ؟ قال : يقول : قد دعوتك يا ربّ ، قد دعوتك يا ربّ ، قد دعوتك يا ربّ ، فلا أراك تستجيب لي ، فيستحسر عند ذلك فيدع الدّعاء » « 1 » . وثالثها : أنّ قوله « أَسْتَجِبْ لَكُمْ » يقتضي أنّ الداعي عارف بربّه ، ومن صفات الربّ سبحانه وتعالى أنه لا يفعل إلّا ما وافق قضاءه وقدره ، وعلمه وحكمته ، فإذا علم العبد أنّ صفة ربّه هكذا ، استحال منه أن يقول بقلبه أو بعقله يا ربّ ، أفعل الشّيء الفلانيّ ، بل لا بدّ وأن يقول : أفعل هذا الفعل ، إن كان موافقا لقضائك وقدرك ؛ وعند هذا يصير الدّعاء المجاب مشروطا بهذه الشرائط ، فزال السؤال . ورابعها : أن لفظ الدعاء والإجابة يحتمل وجوها كثيرة : فقيل : الدعاء عبارة عن : التوحيد والثّناء على اللّه تعالى ؛ لقول العبد يا اللّه الذي لا إله إلا أنت ، فدعوته ، ثم وحّدته وأثنيت عليه فهذا يسمّى دعاء بهذا التأويل ، فسمي قبوله إجابة للتجانس ، ولهذا قال ابن الأنباريّ : « أجيب » ههنا بمعنى « أسمع » ؛ لأن بين السماع والإجابة نوع ملازمة ، فلهذا السبب يقام كلّ واحد منهما مقام الآخر ، فقولنا : « سمع اللّه لمن حمده » ، أي : أجاب اللّه ، فكذا هاهنا قوله : « أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ » ، أي : أسمع تلك الدّعوة ، فإذا حملنا قوله تعالى « ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ » على هذا الوجه ، زال الإشكال . وقيل : المراد من الدعاء التّوبة من الذّنوب ؛ وذلك لأنّ التائب يدعو اللّه تعالى بتوبته ، فيقبل توبته ، فإجابته قبول توبته إجابة الدّعاء ، فعلى هذا الوجه أيضا يزول الإشكال . وقيل : المراد من الدّعاء العبادة ، قال عليه الصّلاة والسّلام : الدعاء هو العبادة « 2 » ويدلّ عليه قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ [ غافر : 60 ] فالدّعاء هاهنا هو العبادة . وإذا ثبت ذلك ، فإجابة اللّه تعالى للدّعاء عبارة عن الوفاء بالثّواب للمطيع ؛ كما قال وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ [ الشورى : 26 ] روى شهر بن حوشب عن عبادة بن الصامت ، قال : سمعت رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - يقول : « أعطيت أمّتي ثلاثا ، لم تعط إلّا للأنبياء : كان اللّه إذا بعث النّبيّ ، قال : « ادعني أستجب لك » ، وقال لهذه الأمّة : « ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ » وكان اللّه إذا بعث النّبيّ ، قال له : « ما جعل عليك في

--> ( 1 ) أخرجه الطحاوي في « مشكل الآثار » 1 / 375 . ( 2 ) أخرجه أبو داود ( 1479 ) والترمذي ( 3247 ، 3272 ) وأحمد ( 4 / 271 ) وابن حبان ( 2396 ) والطبراني في « الصغير » ( 2 / 97 ) وابن أبي شيبة ( 10 / 200 ) والطبري في « تفسيره » ( 24 / 51 ) وأبو نعيم في « الحلية » ( 8 / 120 ) والقضاعي في « المسند » ( 29 ) والحاكم ( 1 / 490 - 491 ) وقال الترمذي : هذا حديث حسن صحيح .